ابن حمدون
226
التذكرة الحمدونية
الدنيا لم تصف لأحد يوما واحدا ، فإذا خلوت يومي هذا فاحجبوا عني الأخبار وخلَّوني ولذّتي . وخلا مع جاريته حبّابة - وكان شديد الشغف بها - فبينا هو يسقيها وتسقيه وتغنيه إذ تناولت حبّة رمّان فغصّت بها فماتت لوقتها . فانزعج وتركها [ أياما ] حتى عذله بنو أميّة وقالوا : إنها جيفة ! وألحّوا عليه فدفنها ومشى في جنازتها وهو يقول : [ من الطويل ] فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى فباليأس تسلو عنك لا بالتجلَّد فعدّ بينهما خمسة عشر يوما . « 449 » - قال محمد بن الحارث بن بسخنّر : كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة ، إذا حضرت ركبت إلى الدار ، فإن نشط للشراب أقمت عنده ، وإن لم ينشط انصرفت ؛ وكان رسمنا أن لا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته . فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي ، إذا برسل الخليفة قد هجموا عليّ وقالوا [ لي : احضر ؛ فقلت : ألخير ؟ قالوا : خير ] ، فقلت : إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قطَّ ، [ ولعلكم ] غلطتم ؛ قالوا : اللَّه المستعان ! لا تطول وبادر ، فقد أمرنا أن لا ندعك تستقرّ على الأرض . فدخلني فزع شديد ، وخفت أن يكون ساع قد سعى بي ، وبليّة قد حدثت في رأي الخليفة عليّ . فتقدّمت بما أردت وركبت حتى وافينا الدار ، فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل فمنعت . وأخذ بيدي الخدم فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها ، فزاد ذلك من جزعي وغمّي . ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن ، ملبّسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب ، ثم أفضوا بي إلى رواق أرضه وحيطانه ملبّسة بمثل ذلك ، وإذا الواثق في صدره على سرير مرصّع بالجوهر ، وعليه ثياب منسوجة بالذهب ، وإلى جانبه فريدة جاريته ، عليها مثل ثيابه ، وفي حجرها عود .
--> « 449 » الأغاني 4 : 118 - 120 ونهاية الأرب 21 : 271 - 275 .